محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي

47

أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه

إن ذلك كله مذكور بتوسع مسهب قلّما تجده في كتاب آخر يختصّ بالمناسك ، وهذه الثروة الفقهية تسجّل للفاكهي ، فقد زاد ما ذكره من مادة علمية في هذه المجالات على الكتب المصنّفة في هذا النوع على الخصوص . وهذه مزية ظاهرة في كتاب الفاكهي بخلاف كتاب الأزرقي فإنه لم يطل النفس في ذلك . 3 - تنوّع أسانيد الفاكهي ، وكثرتها كثرة ظاهرة واهتمامه بالصنعة الحديثية فاقت ما عند الأزرقي بكثير . فكثير من كتاب الأزرقي تراه مرويّا من طريق جدّه ، بخلاف الفاكهي حيث كثر عدد شيوخه . 4 - لا يحاول الفاكهي أن يرجّح بين الأقوال الفقهية ، بل يعرض أدلة هؤلاء وهؤلاء بمنتهى الأمانة ، وهذا الاختلاف في المسائل الفقهية المتعلقة بمكة والحرم والبيت والمناسك ، حاول الفاكهي أن يطيل فيها النفس ، فهو يذكر القول ، ويذكر ما يخالفه إنّ وجد ، لكنه لا يحاول أن يرجّح قولا على قول ، أو يختار مذهبا على مذهب ، فهو يعرض الأقوال ، ويترك حرية الاختيار للباحث ، لأنه ذكر الأدلة بأسانيدها . لكنه عندما يعرض لبعض المباحث التاريخية ، أو مباحث تحديد المواضع تراه يدلي بدلوه ، ويرجح ما هو راجح ، داعما ما ذهب إليه بما لديه من أدلة فعندما ذكر جبل « الاقحوانة » في مكة ، قال : هو الجبل الذي به ثنية الخضراء ، وبأصله بيوت الهاشميين ، يمر سيل منى ، بينه وبين ثبير . ويقال : الاقحوانة : ما بين : « بئر ميمون » إلى « بئر ابن هشام » . ويقال : بل الاقحوانة : بأجياد الصغير في ظهر : « دار الدومة » وما ناحاها ثم قال الفاكهي : والقول الأول أصحّ ، ثم استشهد لما قاله ببيت من الشعر « 1 » . 5 - بذل الفاكهي جهدا عظيما في كتابه لنقل ما رآه وما شاهده في مكة والمسجد الحرام ، وبنائه ، وأساطينه ، وشرفاته ، وسقفه ، وصفة كل ذلك وتواريخ عمارة هذه الأشياء ، وهذا يتفق مع الأزرقي فيه ، لكن ما يعرض له الفاكهي يكون أوسع ممّا يذكره الأزرقي .

--> ( 1 ) أنظر ما بعد الأثر : 1491 .